علي بن أحمد المهائمي
192
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
لا تقبل الظهور ، كما أشار إليه الحديث : « أو استأثرت به في علم الغيب عندك » « 1 » . وهذا اعتذار بأن غيره ، وإن تخلل بعض تلك الصفات فلا يسمى خليلا ؛ لأن ذلك حاصل في كل شيء ، فلا يختص بهذا الاسم إلا من اتصف بجميع تلك الصفات ، ثم استشهد على ذلك بما ( قال الشاعر : قد تخلّلت مسلك الروح منّي « 2 » أي : صرت بحيث لا يمتاز قلبك عن قلبي الذي هو مسلك الروح ( وبذا ) أي : وبهذا سمي أعني : عدم الامتياز ( سمي الخليل خليلا ) ثم شبه هذا التخلل المعنوي في عدم قبول الإشارة المعنوية المميزة بالتخلل الحسي للون مع المتلون في عدم قبول الإشارة الحسية المميزة فقال : ( كما يتخلل اللون المتلون فيكون العرض ) أي : اللون ( بحيث جوهره ) أي : في حيز جوهره بحيث لا يمتاز أحد الحيزين عن الآخر ( ما هو ) أي : ليس هذا التخلل ( كالمكان والمتمكن ) ، فإن حيز كل واحد منهما يمتاز عن الآخر بالإشارة الحسية هذا باعتبار كون الحق هو الظاهر بصفات إبراهيم . ثم أشار إلى عكسه بقوله : أو ( للتخلل الحق وجود صورة إبراهيم عليه السّلام ) أي : بجعل الحق صفاته صفات إبراهيم بحيث يظهر إبراهيم بما يناسب صفات الحق . ثم أشار إلى حقية المعنيين في كون إبراهيم سمي خليلا بحسب المواطن المختلفة فقال : ( وكل حكم يصح ) في خلة إبراهيم أو تسميته خليلا ( من ذلك ) أي : من تخلل إبراهيم ، أو تخلل الحق لكنه بحسب المواطن المختلفة ، ( فإن لكل حكم ) من هذين ( موطنا يظهر ) ذلك الحكم ( به لا يتعداه ) إلى موطن آخر فلا يمكن اجتماعهما في حالة واحدة باعتبار واحد ، لكن كان إبراهيم مترددا بينهما تارة يفعل الحق ما يريده إبراهيم لو بقيت له إرادة ، وتارة يفعل إبراهيم ما يريده الحق ، واستدل على صحة الأول بقوله : ( ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات ) ، ويجوز إطلاق ذلك إذ ( أخبر بذلك عن نفسه ) بقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، وكيف وقد جاز أن يظهر ( بصفات النقص ) ؟ وقد أخبر بذلك عن نفسه بقوله : « مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني » « 3 » ،
--> ( 1 ) رواه أحمد في « المسند » ( 8 / 311 ) ، وابن حبان ( 4 / 437 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 4 / 423 ) . ( 2 ) صدر بيت من الخفيف ، وهو لبشار بن برد في ديوانه ص ( 30 ) ، ويروى عجزه : « ولذا سمّي الخليل خليلا » . ( 3 ) سبق تخريجه .